التـدوين المقــاوم !

623 عدد الزيارات أرسل هذه التدوينة لصديق أرسل هذه التدوينة لصديق طباعة طباعة

ربما لم يخطر ببال (جوستين هال) الذي قام بالتدوين أول مرة أن التدوين سوف يصبح ظاهرة تتم متابعتها باهتمام مثير من الجميع ، لقد أصبحت جزءا من الدراسات ومعدلات قياس الرأي ، وعاملا مهما في تقييم الأحداث من منظور المجتمعات والشعوب !
ثم انتشرت هذه الظاهرة لتصبح نوعا من الإعلام الجديد الذي ينقل الأحداث والظواهر والفعاليات من منظور شعبي بسيط بدون تعقيد الآلة الإعلامية وحساباتها الكثيرة والمتداخلة !
إن التدوين تجاوز مرحلة كتابة الخواطر والأحداث اليومية الشخصية ، وتجاوز مرحلة المراهقة عندما كانت المدونة بمثابة شكل من أشكال التقدم الظاهري للشاب أو الفتاة ، عندما يقول أمام أصحابه أنه يملك مدونة أو عندما يرسل رسالة بريدية مذيلة بعنوان مدونته !
التدوين تجاوز كل هذا - رغم استمرار وجود هذه المظاهر - ليصبح عاملا من عوامل الضغط والتغيير يستخدمه من يعرف اتجاهه وهدفه ويفهم طبيعة بيئته ومجتمعه ، فلا يقف عاجزا أو حائرا أو مكتوف الأيدي .

لقد تطور التدوين لأن هناك تطورا فكريا وسياسيا وثقافيا في جميع المجتمعات ، تغيرت النظرة إلى كثير من الأمور والأحداث ، وتغيرت الرؤية لطبيعة الأشياء وحدوثها ، وتطور العقل البشري ليستفيد من كل ما أنتجته يداه وما هو مسخر له .
لم يقف ولم يبق في مكانه إلا أولئك الذين لا يعرفون ماذا يريدون .. وأولئك الذين يحبون الدعة والراحة والتحنط .. فلم تتطور لا عقولهم ولا أفكارهم ولا رؤيتهم ولا حتى تدويناتهم !
إنني هنا أتحدث عن الذين يحبون التطور ويحبون التغيير ويحبون أن يسبقوا زمانهم ، فيزرعون الخير لهم وللآخرين .
عندما أتحدث عن التطور المعرفي والثقافي للتدوين فإنني سوف أهمل ذلك التدوين التافه الذي يدور حول شخص الإنسان واهتماماته الرخيصة ، وأهمل ذلك التدوين الرخيص الذي يتحدث عن أمور لا تسمن ولا تغني من جوع !

التدوين المقاوم !
إننا نتحدث وندندن حول التدوين الذي يؤثر في محيطه ، عن التدوين الذي يغير ما حوله للأفضل ، عن التدوين الذي يرتفع بصاحبه وبمن يقرأه إلى درجات العمل والتضحية والبحث عن مخارج لجميع الأبواب والقضايا المغلقة .
إننا نتحدث عن (التدوين المقاوم) ، عن التدوين الذي يقاوم الظلم .. ويقاوم الطغيان .. ويقاوم الجهل .. ويقاوم الدكتاتورية .. ويقاوم الاستبداد .. ويقاوم الأمية .. ويقاوم الكسل والدعة والراحة .. ويقاوم التقليد والتبعية والذلة .. ويقاوم الاحتلال الفكري والثقافي والعسكري !
إنه التدوين الذي يحدث تغييرا بأحرف بسيطة .. لكنها قوية ومستمرة .. متدفقة .. لا تنقطع ولا تضعف ولا تهدأ !

أهداف التدوين المقاوم تتمثل في :
1- العمل على إحداث تغيير إيجابي في البيئة المحيطة
2- مقاومة كل سلبية في المجتمع أو البيئة من جهل ، ضعف ، ذلة ، استعمار ، ظلم ، طغيان … إلخ
3- نشر ثقافة المقاومة السلمية التي تدعو للتغيير السلمي ضمن أطر المجتمع المدني
4- رفع نسبة الوعي بقضايا المنطقة وأحداثها وما يخطط لها
5- نشر ثقافة التدوين ونشر المعرفة التي تؤدي إلى حراك جماعي في المجتمع

التجمعات التدوينية :
ولذلك كانت التجمعات التدوينية هي أهم وسيلة لترسيخ ثقافة (التدوين المقاوم) ، ذلك لأنها تعمل على تكوين رأي عام وتتحول إلى آلة إعلامية تساعد في انتشار الهدف وتحقيقه .
من أهم أهداف وغايات مثل هذه التجمعات هي التكتل وراء قضية ما ومناصرتها والتدوين لأجلها وترويجها افتراضيا وواقعيا . فمثل هذه التجمعات هي أهم وسيلة لحشد الرأي العام حول قضية ما سواء إنسانية أو اجتماعية أو سياسية ، فعندما يكون لديك هذا التجمع الكبير من المدونين فإن حشد الرأي العام وتسويق الفكرة أو القضية يكون أمرا سهلا وفعالا في نفس الوقت .

هل تستطيع المدونات التغيير ؟ أو إحداث شيء منه على الواقع ؟
قد يتبادر إلى الذهن أن هذه المدونات جزء من صراع افتراضي وتفريغ لشحنات الغضب والنقد تجاه أنظمة أو مجتمعات متسلطة فقط ، ولن تؤدي هذه المدونات دورا فعالا في إحداث أي تغيير مرتقب على الواقع .
ولكن الأحداث تقول عكس هذا الكلام ، فالمدونات في مصر كان لها دور مهم في بعض الأحداث ونقل أخبارها والتأثير على الرأي العام ضمن نطاق محدود ، والمدونات في المغرب أحدثت ضجيجا ، والمدونات التونسية أحدثت حراكا أيضا ، ولا تزال هذه المدونات تنمو وينمو معها التأثير الذي تحدثه .
ولكن كما قلت سابقا يجب أن تتوفر شروط أساسية لكي تستطيع هذه المدونات إحداث التغيير المراد والمنشود :
1- لا بد من مدونات واعية فكريا وثقافيا تتجاوز الدائرة الشخصية إلى دائرة المجتمع الذي تعيشه .
2- مدونة بدون أهداف لا تحقق شيئا ! فلا بد من وجود هدف تسعى له المدونة ويسعى له المدون نفسه ، وإلا أصبح الأمر نوعا من أنواع العبث الجديد !
3- الانضمام والتفاعل مع التجمعات التدوينية ، والتفاعل مع الأنشطة التدوينية الجماعية من أجل توسيع دائرة التأثير والانتشار .
4- الاستمرارية في التدوين وعدم الانقطاع والابتعاد عن الأحداث ، وإلا فسوف تسبقنا الأحداث ولا ندري أين نحن !

هذه الشروط وغيرها من فني وتقني ومعرفي ، سوف تساعد في إيجاد تدوين مقاوم يعمل على التغيير ويحدث حراكا عجزت عنه التجمعات الأرضية والتحزبات البشرية ، ويتجاوز قيد السلطة والمجتمع والقانون ، لأنه هو من يصنع كل هذا وينطلق في أفق لا تحده حدود ولا تمنعه سدود !

وسوم: , , , ,

تدوينات في نفس الموضوع

التعليقات 20 على “التـدوين المقــاوم !”

  1. syriangavroche@syriangavroche.com علق:

    سلٍم القلم.. تحليل رائع للتدوين

    التدوين السوري في تصاعد و سيأخذ مكانه الذي يستحق قريبا رغم التضييق المفروض عليه

    تحية

  2. محمد علي العبد الله علق:

    أكثر من رائعة

    رؤية دقيقة لواقع التدوين وأهدافه، أوافق التعليق الاول ان التدوين في سوريا في تزايد ومتجه ليأخذ مكانه رغم التضييق عليه.

    تدوينة قيمة حقيقة، أرجو أن تدفعني تدوينتك إلى المواظبة….

    مودتي

    محمد

  3. وائل بكار علق:

    لقد أعادت المدونات الإلكترونية تشكيل الويب، كما أثرّت على السياسة وهزت عرش الصحافة، ومكّنت ملايين من الناس من التعبير عن أصواتهم كما مكنتهم من الاتصال بالآخرين.

  4. عمر مشوح علق:

    حياك الله أخي ياسين .. وشكرا لزيارتك المميزة ..
    وانا اتفق معك تماما أن التدوين السوري قادم بقوة وبتميز أيضا .. فالمدون السوري يختلف تماما عن الآخرين .. وسوف يكون له دور مرتقب بإذن الله رغم كل شيء ..
    تحياتي لك ..

  5. عمر مشوح علق:

    مرحبا أخي محمد .. تشرفت بزيارتك الجميلة ..
    والحمد لله أنني سوف أكون سببا في دفعك للمواظبة في التدوين ! :)
    ويجب أن نشد أنفسنا أكثر في هذا الأمر حتى تتسع المساحة ويكثر المدونون المؤثرون ..
    تحياتي لك ..

  6. عمر مشوح علق:

    أهلين أخي وائل .. وشكرا لزيارتك الطيبة ..
    فعلا لقد غيرت المدونات طريقة التعامل مع النت .. وأصبح لها تأثير على خارج النت من سياسة وإعلام وغيره .. وهذا لم يحصل إلا لأن الكثير من المدونين يحملون قضية يدونون من أجلها !
    تحياتي لك ..

  7. 3bdulsalam علق:

    تحية . . التدوين السوري لازال بحالته السديمية اللامتمايزة ولكنه باتساع مطرد واظن انه سيصبح فعالا عندما يواجه المدون نفسه بأسئلة من قبيل لماذا أدون وما غايتي من ذلك؟

    عندها يمكن لنا ان نشهد قفزة نوعية في مضمار التدوين، وبالرغم من هذا فقد بدأت منذ الآن بوادر تلوح بالأفق عن تغير نوعي وهادف في التدوين ولعل دعوة جميعنا يقرأ التي أطلقتها المدونة فتوشة ومجموعة من اصدقائها لدليل على هذا.

    وبالرغم من ان التدوين اصبح مؤثرا في العالم اجمع ولا ابلغ من استفادة الرئيس أوباما من المدونين في حملته الانتخابية دليل على فعاليته بالإضافة لما تفضلت به حول مصر والجزائر.

    لكن في سورية سيبقى سقف التدوين ملتصقا بأرضيته حالما يدخل قيد الرقيب لتنظيم ما قد يراه من فوضى أيقظت ونبهت وازعجت الحس الأمني.

    ومع ذلك سيبقى الكثير من المجالات التي يمكن للتدوين والمدونين العمل عليها واثارتها بغية النهوض الحضاري بالبلد طالما انها لا تقترب من العصب الأمني الحساس.

    مع التقدير.

  8. عهود علق:

    جميل جدا ..
    قبل فترة ذكرت أننا بالتدوين نخطو خطوة نحو التغيير و لكن بصراحة لم في ذهني هذا البعد الذي ذكرته هنا ..
    أظن علينا كمدونين إعادة النظر في السلاح الذي بأيدينا و الإستفادة منه في المقاومة و التغيير ..

    شكرا لك أستاذ عمر ….

  9. عمر مشوح علق:

    مرحبا بك أخي عبد السلام .. وتشرفت بزيارتك ..
    أتفق معك في حالة التدوين السديمية .. وأظنها بدأت تتضح قليلا في الفترة الأخيرة .. وهناك نشاط كبير بين المدونين أثره واضح جدا ..
    لا أظن أن الرقيب الأمني يستطيع فعل الكثير في حالة التدوين .. فمساحة التحرك أكبر للمدونين وهناك بدائل وأفكار يمكن من خلالها فتح أي باب يغلق إن شاء الله ..
    المهم الاستمرارية والبذل من أجل حركة تدوينية قوية تحرك بعض المياه الراكدة ..

    مع خالص تحياتي لك ..

  10. عمر مشوح علق:

    حياك الله أختي عهود .. وشكرا لمرورك الجميل ..
    فعلا .. التدوين سلاح ولكنه غير مضر أبدا .. بل هو فعال وإيجابي .. ولأول مرة يكون هناك سلاح فعال وإيجابي ومفيد !
    وعلينا الاستفادة من هذا السلاح ونجعل التقنية تسبقنا أكثر من ذلك ..

    تحياتي لك ..

  11. وائل العلواني علق:

    تدوينة مميزة عزيزي عمر..
    كنت قد تناقشت مع أحد الأصدقاء ممن يرغبون بتغيير بعض الظواهر الاجتماعية المقيتة وبنفس الوقت كان غير مقتنع بمبدأ التدوين كوسيلة للتغيير. وبعد النقاش، أصبح شبه مقتنع، وباعتقادي أن النظر نحو التدوين من الزاوية التي ذكرتها سيجعله مقتنعا تماما.

    تدوينتك هذه تطرقت لموضوع أهم وهو توجيه التدوين نحو المقاومة بهدف التغيير السلمي وهو موضوع كبير لو تمت له التوعية الكافية بين شباب المجتمع، لحصلت أمور رائعة ومثمرة.

    أرى بأن التوجه الحالي مبشر بالخير ولكنه يتسم بالبطء نوعا ما ولكني واثق بأن جهودك وجهود المدونين المؤمنين بهذا الموضوع ستزيد من قوته في المستقبل القريب..

  12. مدونة .. أروى عبد العزيز » أرشيف المدونة » .. سنقاوم الكهرباء والماء .. من أجلك ياغزة ..!! علق:

    [...] مواضيع ذات صلة “ التدوين المقاوم ” [...]

  13. نحو ثقافة التدوين المقاوم « رايح ومش راجع علق:

    [...] - تدوينة للمدون عمر مشوح بعنوان” التدوين المقاوم. [...]

  14. مدونة .. أروى عبد العزيز » أرشيف المدونة » .. حول ” حديث الصباح .. وثقافة التدوين المقاوم ” .. علق:

    [...] حين خط المدون “عمر مشوِّح” خطوطاً عريضة عن ” التدوين المقاوم ” .. استطاع من خلالها أن يوضح بطريقة مباشرة وغير [...]

  15. أحمد أرسلان علق:

    التدوين المقاوم …. مصطلح يحتاج الكثير من الوقوف عنده … للإنطلاق بعد فهمه

    شكرا لما كتبت يداك

    وأدعو للاهتمام بالتجمعات التدوينية وأن يكون لها أهداف ورؤى وأن تسير في خطة

    وأن نجتمع على خطة عمل عند كل حدث

  16. التقنية كوسيلة ضغط سياسية « مدونة وائل العلواني علق:

    [...] هذا المفهوم في نطاق التدوين تحديدا نشوء مصطلح اسمه التدوين المقاوم الذي يتمحور حول استخدام أسلوب اللاعنف في تفتيح أذهان [...]

  17. المرفــأ » أرشيف المدونة » ادعم فكرة التدوين المقاوم علق:

    [...] لفكرة (التدوين المقاوم) التي تحدثت عنها سابقا والتي أخذت بعدا كبيرا بين [...]

  18. مدونة .. أروى عبد العزيز » أرشيف المدونة » .. خطوات حرة على الأرض ” للمدونيين السوريين ” ..!! علق:

    [...] كان لا بد للمدونيين السوريين الذين أطلقوا فكرة التدوين المقاوم في العالم الإفتراضي .. أن تتنوع أشكال مقاومتهم .. من كونها كلماتٍ واحتجاجات [...]

  19. المرفــأ » أرشيف المدونة » التدوين المقاوم يثبت فعاليته في معركة العزة ! علق:

    [...] من ثغور هذه المعركة ! ومن أهم ثغور هذه المعركة هو ثغر التدوين المقاوم والذي يمارسه كثير من المدونين ونشطاء الإنترنت .. لأن [...]

  20. التدوين المقاوم يثبت فعاليته في معركة العزة ! | غزة تحت الحصار و النار علق:

    [...] من ثغور هذه المعركة ! ومن أهم ثغور هذه المعركة هو ثغر التدوين المقاوم والذي يمارسه كثير من المدونين ونشطاء الإنترنت .. لأن [...]

أضف تعليقاً