أطلق كلباً خلفك، وانظر إلى أي سماء ستطير (1 من 2)

أطلق كلباً خلفك، وانظر إلى أي سماء ستطير

لازلت إلى الآن أمسح تلك الدموع التي خرجت من مقلتي تسابق بعضها ، اليوم أيقنت أني استطيع أن أفعل ولكني لا أريد. أسخر منه واليوم هو قدوتي !

كان دوماً ما يخبرني بأنه لم يستنفذ من جسمه طاقته، وأنه يطمح أن يطبق المقولة الشائعة التي قرأها ذات يوم في صحيفة بأن العقل البشري لا يستهلك -وفي أحسن أحواله- سوى عشرة بالمئة من قدراته. كان قليل التذمر، دائم الصمت يحب الوحدة، والتفكير الصامت، استدرجته ذات يوم ماطر ، ففتح لي قلبه. أو عقله !

قلت له محاولاً كسر حاجز الصمت:

- هل تعرف أن هذا المطر الذي يسقط على الأرض لا يساوي رملة من صحراء بالنسبة لمحيط كالهاديء.

رد علي بغرابة:

- وهل تعلم أن النفس البشرية قد تسلك سلوكاً غريباً وتفعل الأعاجيب إذا استفز أحدهم (الأدرينالين) بداخلها؟

لم أفهم مالعلاقة بين سؤاله وسؤالي ، لكني أخبرته بأني لم أفهم ماذا يقصد، حينها رد علي:

- أطلق كلباً خلفك ، وانظر إلى أي سماء ستطير !

ورشف بعدها كوب القهوة المر ، واختفى . كانت هذه آخر مرة التقينا بها. أمطرت السماء مرة وأخرى وثالثة ورابعة. وافتقدته وكوخه وكلماته القليلة ، وقهوته المرة.

سألت عنه أهل الحي ، والحي المجاور كلهم اتفقو على أوصاف مشتركة: الفتى الغامض ، الذكي الذي يدفن نفسه بين الغبار.

ولأنني كثير التردد على باب كوخه أطرقه بين فينة وأخرى، فقد لفت انتباهي ذات يوم رسالة كانت على الباب، كتب عليها عنوانه والعبارة التالية: "تصب ليد أول من يشاهدها" . فتحت الرسالة، ورقة صغيرة كتب عليها:

" بإمكانك الدخول بدفع الباب بهدوء وسحبه لأعلى قليلاً ، أهلاً بك .. "

دخلت لكوخه، الذي كان يراه قصراً عاجياً يجلس على ذلك المقعد الخشبي وتلك الطاولة ، جلست مكانه وبدأت نوبة الضحك والبكاء لدي، وكما لو أني في فيلم Phone Booth أحدهم يراقبني ويملي علي خطواتي، وكأنه يعرفني!

فتحت الرسالة وبدأت أقرأ..

[عزيزي: قبل كل شيء، انصحك بأن تعد لنفسك كوباً من القهوة ، ولا تتعب نفسك فلن تجد سكراً تحلي به يومك!]

استجبت لأمره ، لا أدري لماذا ، ربما لأعيش الجو، وربما كي أضمن استمرار خطته كما يريد.

[ أهلاً بك، أنا لا أعرفك ولا أريد أن أعرف من أنت، لكني أريد أن يعرف أحدهم قصتي، ويعرف قصة نفسه!

أنا لست حساساً ولا أحب المشاعر المرهفة،لذا فإني لن أهتم بما أنا فيه. وسأكون إيجابياً حتى النخاع، لست أسوأ حالاً من مانديلا الذي كان في زنزانة ، أو ابن الداخل الذي توجه للمغرب قاطعاً الشرق الأدنى على قدميه. سأكتب رسالة مطولة لمن يهمه أمري ، أنا الآن في غرفة صغيرة لاتتجاوز المترين مساحةً في إحدى الدول الأوروبية. و اليوم هو الخامس وسبعين بعد المئة منذ رحيلي من الوطن. الذي لم أبخل عليه بما لدي، فقد كنت مواطناً صالحاً طوالة أيامي فيه، تخرجت من الثانوية بنسبة تكاد تصل للكمال. والدي كان يقول لي: دعك من العلم و اتقن صنعة فهذا الزمن غدار، لم أكن الق بالاً لكلامه ، وكنت أهز له رأسي دوماً بلا نقاش، لأني أعلم كم هو مزعج أن تشرح لرجل كبير غير متعلم أهمية العلم!

التحقت بإحدى الكليات الإنسانية ، ودرست علم الاجتماع ، ولكني في نفس الوقت كنت أحضر جميع محاضرات علم النفس. اتقنت فن الحديث ، وحفظت أسماء العلماء الذين أسهبوا في ذلك وأقوالهم كما أحفظ اسمي، أحببت ابن خلدون وابن رشد، وكنت اجد فيهم ضالتي. وأرى فيهم واقعية لم أقرأها في أرسطو وداروين وأفلاطون. علمت بعد ذلك أن ثمة علم يدعى علم النفس الاجتماعي، قرأت عنه. كما تعلمت اللغة العربية واتقنتها بنفسي، كنت اذهب كل يوم للمكتبة محملاً بكتاب يجب علي إعادته بعد أسبوعين ، أقرأه والخصه ثم أعيده. حتى أصبحت علاقتي مع موظفة المكتبة شبه ودية ، فقد سمحت لي بان أتجاوز الحد الأعلى من الكتب المسموحة استعارتها.

وفي مرة غابت هذه الموظفة لفترة بسبب مرض أصابها، وجئت كي أعيد الكتب ، فقال لي الموظف: لقد تجاوزت الحد الأعلى من الكتب المسموحة ، كما أنك تجاوزت الوقت ! عليك بدفع الغرامة.

حاولت أن أشرح له أن موظفة المكتبة كانت تسمح لي بذلك، فتداركت نفسي وسكت. حتى لا يصيبها توبيخ بسببي.

لا أريد أن أقول لك أن هذه الغرامة التي كانت معلقةً في رقبتي، أرقتني يومين، حتى رزقني الله بها من حيث لا أدري، فقد وقعت يدي على جريدة يطلب فيها أحدهم مدرساً ليعلمه أصول اللغة.

تخرجت من الجامعة بعلامات تقارب الكمال أيضاً، وبدأت رحلة البحث عن وظيفة، لكني أيقنت بعد 8 أشهر، أنه ليس هناك مكان للتخصصات الإنسانية في مجتمعنا إلا حراساً للمباني أو المكاتب، توفي والدي بعد مدة وبقيت وحيدًا  أتذكر كلماته: "تعلم صنعة -يابني- فهذا الزمن غدار".

شربت بعدها أكواب المرارة والحزن ، فأنا بلا أبٍ أستأنسُ به وبلا صنعة تجعلني أرتدي حذاء لا يسرب الحصى لرجلي.

قبلت بوظيفة حارس الأمن تلك ، وزادت شخصيتي خشونة وجلداً ، وفهمت الرجال من نظراتهم، أراقب كل يوم أكثر من مئة وجهٍ جديد. وأجاوب على السؤال قبل أن يطرحه السائل. عملت بتلك الوظيفة لثلاث سنوات، ثم قررت التوقف والبدء باتخاذ قراري.

ما هو لدي الآن مركبٌ أخرقٌ بنصفِ مجداف! ينقصني بعض من أدوات العصر. عطفت في كوخي الذي أنت فيه الآن سنة كاملة، تعلمت فيها لغة القوم الذين  سأأمن مكرهم، واشتريت حاسوباً. واتخذت قراري: ليس لي في بلدي موطئ قدم! ]

- يتبع بإذن الله ..!

التعليقات 12 على “أطلق كلباً خلفك، وانظر إلى أي سماء ستطير (1 من 2)”

  1. يحيى حوى علق:

    أخي بشير
    أبدعت في الوصف وفي تلمس الجرح
    عشت مع هذه الخاطره لحظات بهيجه ولحظات حزينه
    وفي الختام تركتني أتأمل بما نحن فيه الأن

    شكرا لك يا صديقي

  2. Amany Elrefaay علق:

    أسلوب شيق للعرض
    كلمات تمس الأعماق بالفعل ..
    والقضية التي عبرت عنها في حد ذاتها هي روح عصرنا الحالي ….
    لطفك ياربنا ،،

    بإنتظار التتمة إن شاء الله

  3. Reem Younis علق:

    كلماتك نقرت على وترٍ حساس.. نفعل ما نستطيع لنبقى في اوطاننا و لكن أوطاننا لا تستطيع حمل همومنا على كاهلها فقد أثقلتها هموم الزمان..

  4. Faiza Ahmed علق:

    اخي بشير …
    كلمااات اروع من الروعة نفسها فقد وصفت حال كل شخص في هذا الزمن بدقة متناهية باختلاف الاجناس . فكلماتك لامست الوتر الحساس الذي نحاول دائما تناسيه حتى تستمر الحياة وتستمر المعيشة ..
    وانتظر الجزء الثاني على أحر من الجمر .
    لك مني اجمل تحية …

  5. farah m علق:

    ليس هنا ، لأنه هناك، هنا لا مكان له !

    جميلة .. بانتظار التتمة بشوق ..

  6. heba علق:

    اخي بشير لقد ابدعت بكل ما في الكلمة من معنى فبعد ان عشت في عالم حالم خيالي في البداية ايقظتني في منتصفها بقوة على واقعنا المر واقع الحياة التي نعيشها
    فبين الفرح والحزن تنقلت الخاطرة كما تتنقل حياتنا بينهم
    شكرا لك اخي بشير على ما ايقظتنا به وبقوة

  7. خالد قرقش علق:

    سلام بشير

    ما شاء الله عليك , كثير حلوووووه

    سلام

  8. علي حسين باكير علق:

    أسلوب جميل وشيٌّق وممتع، شكراً لك والى الأمام.

  9. براء القسّام علق:

    أنتظر التتمة بشوق ممزوج بالألم ,,
    ألمٌ باعث على النهضة والتغيير .

  10. عونيــ علق:

    قصة مثيرة تشد القارئ. أحسنتَ الكتابة :)

  11. أنس السيد عمر علق:

    أستاذي وأخي بشير: هذه أول مرة أقرأ لك مقالاً، غير أني أجد في حنايا المقال كلمات لكاتب عبقري فذ، أجاد فن الوصف، وأجاد الإحساس بالمشاعر، ووضعنا (كقراء) مشذوذين حتى نرى تتمة القصة الرائعة، أتمنى لك حياة أدبية رائعة، وأشكرك على أنك أتحت لي الفرصة للقراءة من أديب رائع مثلك، شكر الله لك، وجعله في ميزان حسناتك، اللهم آمين.
    سلام من أخيك الصغير: أنس السيد عمر.

  12. شخص ما علق:

    الادرينالين مادة يفرزها الجسم حين الاحساس بالخطر ,تزداد معها معدلات الجسم الحيوية بصورة فوق الطبيعية ,,

    اطلق كلباً وارئك فتفرز الادرينالين بكميات رهيبة .. يشمها الكلب دون سائر الحيوانات و تصيبه بالهيجان فيلهث ورائك اكثر من ذي قبل فتفرز انت المزيد لتجري اسرع …

    حاول الان تخيل لأي سماء يمكن ان تطير مع هذه الكمية (المحيط)!

    هل تعرف ان المطر لا يساوي رمله في صحراء بالنسبة للمحيط = هل تدري ان قدرات الانسان الداخليه اكبر مما يتخيل نفسه

    بدليل ” اطلق كلباً ورائك و انظر لأي سماء تطير “

أضف تعليقاً